حجوزات خجولة... الموسم السياحي يترقب قرار المغترب اللبناني -- Jun 26 , 2026 16
يدرك اللبنانيون جيداً أن الصيف ليس مجرد فصل سياحي، بل هو موسم اقتصادي تنتظره قطاعات بأكملها لتعويض خسائر عام كامل. ومع تراجع حدة التوترات الإقليمية وعودة الحديث عن استقرار نسبي في المنطقة، تتجه الأنظار مجدداً نحو المغتربين اللبنانيين باعتبارهم الركيزة الأساسية لأي انتعاش سياحي محتمل. إلا أن المؤشرات الأولية لا توحي حتى الآن بموسم استثنائي، إذ لا تزال الحجوزات خجولة، وشركات الطيران تتعامل بحذر، فيما تشكل كلفة السفر المرتفعة وغياب الاستقرار الكامل عوامل ضغط إضافية على القطاع. وبين التفاؤل الحذر والوقائع الميدانية، يخضع صيف لبنان هذا العام لاختبار حقيقي.
وقد منح اتفاق الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران موخراً جرعة من التفاؤل لقطاع السياحة في لبنان، خصوصاً أن الموسم الشتوي لم يكن على قدر التوقعات بسبب الحرب.
حذر وترقب
وعلى الرغم من استعدادات أصحاب المطاعم والمقاهي والفنادق مع بدء موسم الصيف، عبر إطلاق قوائم طعام جديدة وتنظيم الحفلات والفعاليات والعروض الترفيهية، إلا أن الحركة حتى الآن لا تبدو كافية لإحداث الانتعاش المرجو أو لجذب أعداد كبيرة من السياح والمغتربين.
فلا تزال حجوزات المغتربين إلى لبنان حذرة نسبياً. وهو ما يسري على نور أسعد (لبنانية مقيمة في الخليج)، إذ لم تحسم أمر سفرها إلى لبنان خلال الصيف. وتقول في حديث لـِ "المدن": إن الأجواء غير مستقرة، ونخشى من عودة التوترات، لذا من الأفضل الانتظار حتى منتصف الشهر المقبل. مخاوف أسعد تظهر بوضوح في حركة الطيران ومعدلات الإشغال الفندقي. وعادة ما تشهد أشهر الصيف تسيير رحلات إضافية من عدة دول خليجية وأوروبية لتلبية الطلب المرتفع على السفر إلى لبنان، غير أن هذا العام، وبحسب منصات رصد حركة الطيران، لا تزال شركات الطيران تتعامل بحذر مع السوق اللبنانية، ولم تصل وتيرة الرحلات الإضافية إلى مستوياتها المعتادة في مثل هذا الوقت من السنة.
ويشير مصدر من مطار رفيق الحريري الدولي إلى أنه عادة، وخلال فترات الصيف، يستقبل المطار ما بين 35 إلى 45 رحلة يومياً من دول الخليج، مع إضافة رحلات موسمية خلال شهري تموز وآب، إلا أنه وحتى منتصف شهر حزيران، لم يتخط عدد الرحلات 25 رحلة يومياً، ما يعني أن شركات الطيران لم تعِد لبنان إلى خريطة الرحلات المعتادة سنوياً.
أمل بإنقاذ السياحة
ولا يخفي رئيس نقابة أصحاب مكاتب السياحة والسفر في لبنان جان عبّود مخاوفه من أن يتعرض القطاع السياحي في فصل الصيف لانتكاسة كما جرى في الشتاء. إلا أنه يرجّح مع الاستقرار الإقليمي وانعكاساته على لبنان أن يشهد الصيف عودة تدريجية للسياح، وتحديداً المغتربين.
ويقول عبّود لـِ "المدن": "عوامل عديدة تلعب دوراً في تحديد موسم الاصطياف في لبنان، من ضمنها الاستقرار الإقليمي، إذ يلعب العامل الأمني دوراً أساسياً". ويضيف: "مرّ لبنان بفترات صعبة، أثرت في المؤسسات السياحية، حيث أقفل أكثر من 75% منها بسبب تداعيات الحرب". ويأمل مع عودة أكثر شركات الطيران لتسيير رحلاتها إلى لبنان، أن يبدأ المغتربون في التخطيط لقضاء عطلة الصيف في لبنان.
وعلى صعيد الحجوزات، يؤكد عبود بأن نسبة الوافدين إلى لبنان منخفضة، ولا تتعدى 40% بالمقارنة مع النسبة المعتادة في هذا التوقيت من العام. وبحسب عبود حتى الآن لا تزال حجوزات الفنادق والمطاعم ضعيفة نسبياً، ولا تتخطى حجوزات الفنادق 18% والحركة خجولة، لكن يبقى الأمل بتغير الوضع للأفضل في المرحلة المقبلة.
من جهته، لا يبدي رئيس اتحاد النقابات السياحية ونقيب أصحاب الفنادق بيار الأشقر الكثير من التفاؤل بموسم الصيف ما لم يتم الاتفاق على عودة الاستقرار بشكل نهائي. ويرى أن الحجوزات الفندقية حتى الآن لا تزال خجولة ولم يحسم الكثير من المغتربين أمر المجيء إلى لبنان، مشيراً إلى أنّه منذ سنوات لم تكن هناك حركة سياحية لافتة، وبات لبنان يعتمد على المغتربين الذين يملكون منازلهم أو يفضلون قضاء العطلة مع العائلات وبالتالي لا يزال القطاع الفندقي يعاني من أزمة بسبب غياب السياح الدوليين.
حركة وهمية
على الرغم من أن الفنادق والمنتجعات السياحية والشقق الفندقية تبدو شبه ممتلئة، مع تجاوز نسب الإشغال في بعضها الـ 50% و70%، إلا أن جزءاً كبيراً من هذه الحجوزات لا يعكس انتعاشاً سياحياً حقيقياً، إذ يعود معظمه إلى عائلات نازحة لم تتمكن بعد من العودة إلى مناطقها بسبب تداعيات الحرب. ورغم ذلك، لا تبدو حركة الأسعار أيضاً مشجعة للسياحة الداخلية.
وتظهر جولة لـِ "المدن" على عدد من الفنادق والشقق الفندقية ارتفاعاً لافتاً في الأسعار، وقد يصعب الحصول على غرفة بسعر يقل عن 80 دولاراً لليلة الواحدة، فيما تتجاوز أسعار بعض المنتجعات والشاليهات 200 دولار أميركي لليلة. وتضع هذه التكاليف المرتفعة السياحة الداخلية أمام تحد كبير، لأنها تشكل عبئاً على اللبنانيين الراغبين في قضاء عطلة قصيرة داخل البلاد.
أسعار التذاكر.. أزمة جديدة
على الرغم من حالة الحذر التي تسيطر على المغتربين تحديداً بسبب الأوضاع الأمنية، إلا أن أسعار التذاكر بدورها لا تشجع على السفر. وهو ما أكده فيليب الخليل (مغترب لبناني في فرنسا). يقول لـِ "المدن": أسعار التذاكر مبالغ فيها بشكل كبير، ويصل سعر التذكرة إلى أكثر من ألف دولار فيما لم تكن تتخطى حاجز 700 دولار سابقاً، سائلاً عن إمكان توفير رحلات بأسعار تشجيعية لجذب المغتربين إلى لبنان.
وفي جولة لـِ "المدن" على أسعار تذاكر السفر إلى لبنان تبين أن الرحلات على سبيل المثال من دول الخليج إلى لبنان تتخطى 900 دولار وتصل إلى ألف دولار في منتصف شهر تموز، أما بالنسبة إلى تذاكر السفر من أوروبا إلى لبنان فتتخطى حاجز 1300 دولار. وهذه الأرقام تعد مرتفعة جداً.
من جهة ثانية، وعلى الرغم من محاولات وزارة السياحة السعي إلى تشجيع السياح والمغتربين لزيارة لبنان في فصل الصيف، إلا ان المحاولات لا تزال خجولة مقارنة مع حملات تقوم بها دول الخليج في هذا الموسم. إذ بدأت العديد من الدول الخليجية، وفي مقدمتها قطر، بوضع خريطة لجذب السياح في صيف 2026، وتتضمن فعاليات "صيف قطر" هذا العام برامج ومهرجانات عائلية ضخمة على غرار "مهرجان قطر للألعاب"، وفعالية "انتعاش الصيف"، بالإضافة إلى المخيمات الصيفية وعروض الفنادق الشاملة لإقامة مجانية للأطفال.
في المحصلة، يبقى مصير الموسم السياحي في لبنان مرتبطاً بمدى ترسّخ الاستقرار خلال الأسابيع المقبلة وقدرة الجهات المعنية على استعادة ثقة المغتربين والسياح. وبين آمال الانتعاش والعقبات القائمة، لا يزال القطاع يراهن على تحسّن الظروف لإنقاذ صيف يُعوَّل عليه اقتصادياً أكثر من أي وقت مضى.
بلقيس عبد الرضا - المدن